صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
26
شرح أصول الكافي
مضاد للكون عند المركز وهما معنيان وجوديان ، وقد يوجد أو يتصور لهما موضوع واحد يتعاقبان عليه وبينهما غاية الخلاف ، وهذا هو حدّ الضدّ . وأيضا فان الأين يقبل الأشد والأضعف ، فإنه قد يكون اثنان وكلاهما فوق وأحدهما أشد فوقية . فإذا تقرر ماهية الكيف والأين فنقول : من المحال ان يوصف تعالى بهما ، لان كلا منهما حادث بالذات ممكن الوجود مفتقر إلى جاعل يوجده برئ الذات عن الاتصاف بهما ، امّا حدوثه وامكانه الذاتيين : فلكونه ذا ماهية غير الوجود وكونه عرضا قائما بمحله فهما مفتقران إلى الجاعل وينتهي افتقارهما بالآخرة إلى الحق تعالى . وامّا براءته عنهما : فلان موجد الشيء متقدم عليه بالوجود ، فيستحيل ان يكون المكيف بالكسر ، اي فاعل الكيف مكيفا بالفتح ، اي منفعلا ، والا لزم تقدم الشيء على نفسه وكون الشيء الواحد فاعلا وقابلا لشيء واحد ، وهما محال ، وكذا الكلام في الأين بل الكلام فيه أبين واظهر . لان كلّ ذا اين محتاج في وجوه إلى الأين ، فخالق الأين غير متأين ، وإلى هذا المطلب أشار عليه السلام بقوله : هو ايّن الأين بلا اين وكيف الكيف بلا كيف ، وإذ لم يوصف بكيفية ولا اين فلا يجوز السؤال عنه بكيف هو ولا اين هو ؟ إذ لا يمكن تعريفه بهما ، ولهذا قال عليه السلام : فلا يعرف بالكيفوفية ولا باينونية ، وانما اشتق هذا اللفظان لأنه كثيرا ما يطلق لفظ الكيفية على افراد الكيف الموجودة كالسواد والطعم وغيرهما دون المعاني المصدرية ، فإذا جعل المصدر كالاسم وأريد اشتقاق مصدر آخر عنه فلا بد حينئذ من تصرف زائد عليه فيقال للكيفية الكيفوفية وكذا الحال في الأين والاينونية . المطلب الثالث في أنه تعالى لا يدرك بالحواس ولا بشيء من المدارك ، اما انه لا يدرك بالحواس فلان ادراكها مقصور على ما هو محسوس بالذات كإحدى الكيفيات المحسوسة من الألوان والأصوات والطعوم والروائح وأوائل الكيفيات الأربع ، أو ما هو محسوس بالعرض كالمقارنات لها ، وقد علمت أن البارئ ليس بكيفية ولا ذي كيفية . واما انه غير مدرك بشيء اخر كالعقل والوهم ، لان كل ما هو معلوم بشيء اخر غير ذاته اي بصورة مساوية له في الحقيقة ، فيلزم ان يكون له ماهية كلية مشتركة بينه وبين مثاله المساوي له والّا لم يكن تلك الصورة علما به ، وكل ما له ماهية غير الوجود الصرف